السيد عبد الأعلى السبزواري
58
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
بعضه ببعض ، وإنما نزل كتاب اللّه يصدق بعضه بعضها ، فلا تكذبوا بعضه ببعض ، فما علمتم منه فقولوا وما جهلتم فكلوه إلى عالمه » . أقول : ضرب القرآن بعضه ببعض يحتمل فيه وجوه : الأول : ردّ المتشابه إلى المحكم ، وهذا صحيح ، بل واجب كما أمرنا به عقلا وشرعا ، ولا وجه للطعن عليه بل جعله كفرا . الثاني : الاستشهاد لآية بآية أخرى ، وهذا أيضا صحيح إذا كان مطابقا للسنّة الشريفة ، وقد وقع ذلك في كلمات الأئمة عليهم السّلام أيضا . الثالث : ما إذا اختار رأيا مستقلا ونظرية خاصة من عند نفسه في تفسير آية ورأي كذلك في آية أخرى ، وجمع بينهما برأيه ، أو جعل آية أخرى دليلا لما اختاره من عند نفسه ، فهذا هو المذموم بلا إشكال ، بل قد يوجب الكفر أيضا لأنه يستلزم تكذيب القرآن ، كما مرّ في الحديث . ولعلّ ما سأله الصدوق عن شيخه ابن الوليد في معنى الرواية المتقدّمة عن المحاسن هو ذلك ، وأيضا يدلّ على ما ذكرنا روايات كثيرة : منها : ما في تفسير العماني عن إسماعيل بن جابر ، قال : سمعت أبا عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق عليهما السّلام يقول : « إن اللّه تبارك وتعالى بعث محمدا فختم به الأنبياء ، فلا نبيّ بعده ، وأنزل عليه كتابا فختم به الكتاب فلا كتاب بعده ، أحلّ فيه حلالا وحرّم حراما ، فحلاله حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة ، فيه شرعكم وخبر من قبلكم وبعدكم ، وجعله النبيّ صلّى اللّه عليه وآله علما باقيا في أوصيائه فتركهم الناس ، وهم الشهداء على أهل كلّ زمان ، وعدلوا عنهم ثم قتلوهم ، واتبعوا غيرهم ثم أخلصوا لهم الطاعة حتى عاندوا من أظهر ولاية ولاة الأمر وطلب علومهم ، قال اللّه سبحانه وتعالى : وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ ، وذلك أنهم ضربوا بعض القرآن ببعض ، واحتجّوا بالمنسوخ وهم يظنون أنه الناسخ ، واحتجّوا بالمتشابه وهم يرون أنه المحكم ، واحتجّوا بالخاص وهم يقدرون أنه العام ، واحتجّوا بأوّل الآية وتركوا السبب في تأويلها ، ولم ينظروا